باب الجنس و المدينة العربية ـ سلوى النعيمي



عطر الجنة. هناك حيث الذكر لا يمل ، و الفرج لا يخف ، و الشهوة لا تنقطع. في شهوة النكاح حكمة هي ما فيها من اللذة لو امنت ، و هي منبهة إلى اللذات الموعود بها في الجنان ، ليكون ذلك داعيا إلى طلبها حتى ينالها.
بعد صدمة الاكتشاف الأول قرأت بنهم ما أجد أمامي من الكتب الجنسية ، عربية أو مترجمة. انتظرت سنوات كي أبدأ قراءاتي المنهجية. كان ذلك في بداية عملي في مكتبة الجامعة عندما عثرت على قائمة طويلة من عناوين كتب الجنس العربية. بدأت أقرأها بتنبه ، واحدا واحدا. أليس جزءا من مهماتي أن أعرف محتوى مقتنيات المكتبة ؟.بضمير مهني دؤوب بدأت إذن في مطالعتها. أعمل ، و الكتاب منها مغلف بإحكام أو مستتر تحت كتاب آخر. في مكتبي أو في مواجهة جمهور المكتبة. لا أتوقف عن اكتشافاتي. هل يخطر لمن يراني من بعيد أقرأ و أدون الملاحظات و تعبيري الجدي على وجهي أني أقرأ ما أقرأ ؟. ما إن يقترب مني طالب في المكتبة حتى يختفي الكتاب السري تحت الكتاب المعلن. ألبي طلبه و أعود إلى قراءتي. كلما أتى إلى المقتنيات جديد مما أعده اختصاصي تتكرر الحكاية. بمرور السنوات و تراكم القراءات صرت خبيرة في كتب الباه. خبيرة سرية طبعا.اكتملت الحكاية عندما جاء إلي مدير المكتبة يتدور و ابتسامته تسبقه : تعد المكتبة الوطنية معرضا عنوانه ( جهنم الكتب ) تلك التي توضع على رفوف خاصة في المكتبة لتبقى بعيدا عن العيون ، ترافقه ندوة عن الأدب الإيروتكي في العالم. ما رأيك ؟. يبحثون عمن يكتب دراسة عن الكتب الجنسية العربية القديمة. ما رأيك ؟. اقترحت عليهم اسمك. ما رأيك؟. ينتظرون موافقتي كي يبحثوا معك التفاصيل ، ما رأيك ؟.رأيي ؟.شكرته على ثقته ، بكثير من الحذر. كانت الحكاية لعبة سرية ، أو نصف علنية.يبدو أنها تتحول إلى اختصاص أكاديمي . تصورت نفسي أقرأ فقرة من فقراتي المفضلة في أحد تلك الكتب بصوت عال أمام جمع من الباحثين. سأتحول إلى باحثة مختصة في علم الباه ؟، في الباهولوجيا ؟، بشرط أن أضحك. هل في الأمر شيء من الكوميديا؟.ستعقد الندوة في الولايات المتحدة. ما رأيك؟. ألم أقل لك إنها تنظم بالمشاركة مع جامعة نيويورك حيث سينتقل المعرض بعد انتهاء مدته في باريس ؟. تعرفين أن الأمريكان صاروا يهتمون بكل ما هو عربي و مسلم بعد  11 سبتمبر ؟. ما رأيكِ ؟.رأيي في اهتمامهم الجديد؟. أو في 11 سبتمبر ؟. لم أقل شيئا.قد أجد نقط تلاق مع الأمريكان إذا شرعوا في الاهتمام بعلوم الباه العربية.ربما كان المدير الخجول يظن أنه سيجد بعيدا عن المكتبة نقاط تلاق معي لا يجرؤ حتى على التلميح إليها هنا.وجه المدير لا يوحي بكثير من الخفة. لم ينفعل إذن وكأنه يقدم لي عرضا مشبوها ؟. أهز رأسي موافقة. كيف لا أفعل و هو يتحدث و كأنه يطلب مني أن أكتب دراسة عن قراءات القرآن . يتحدث و كأنه يطلب مني أن أكتب دراسة عن قراءات القرآن السبع ؟. بالجدية المتواطئة نفسها يعطيني اسم المسؤول. تتصلين به و تتفقين معه على التفاصيل. ما رأيك؟.القراءة السرية صارت اختصاصا علميا. عاشت التطورات الاجتماعية التي ستلغي المحظورات فعلا و قولا و قراءة و كتابة  و موضوعات و ندوات.قراءاتي السرية تجعلني أعتقد أن العرب هم الأمة الوحيدة في العالم التي تعدّ الجنس نعمة ، و تشكر الله على هذه المتعة. ألا يستهل الشيخ الإمام العلامة الهمام سيدي محمد النفزاوي ، رحمه الله و رضي عنه ، [ روضه العاطر في نزهة الخا طر ] بحمد الله الذي جعل اللذة الكبرى للرجال في فروج النساء ، و جعلها للنساء في أيور الرجال ، فلا يرتاح الفرج و لا يهدأ و لا يقر له قرار إلا إذا دخله الأير ، و الأير إلا بالفرج ..؟.ألم ير المؤلفون العرب أن من فوائد النكاح ، إضافة إلى كثرة النسل و حفظ الوجود ، الاطلاع على بعض نعم الآخرة ، لأنه ينبه على اللذات الموعودة في الجنان ، إذ إن الترغيب في لذة لا تعرف لا ينفع ؟.نذوق في الدنيا بعض ما سنعيش مكافأة في الجنة ؟. هذا ما يسمونه في الاقتصاد : حوافز الإنتاج ، و رائحة الجنس هي الجرزة الجائزة التي تقودني في هذه الدنيا من أنفي لأعمل ما يوصلني إلى عطر الجنة. هناك حيث الذكر لا يمل ، و الفرج لا يخف ، و الشهوة لا تنقطع. في شهوة النكاح حكمة هي ما فيها من اللذة لو امنت ، و هي منبهة إلى اللذات الموعود بها في الجنان ، ليكون ذلك داعيا إلى طلبها حتى ينالها. فانظر إلى النعمة الإلهية كيف أوجد من شهوة واحدة حياتين ظاهرة و باطنة : حياة المرء ببقاء نسله ،  الحياة الباطنية هي الحياة الأخروية. فإن هذه اللذة المنصرمة تحرك اللذة في الرغبة الكاملة الدائمة.حتى عندما يعجز الجسد عن تلبية الرغبات يتفنن العرب في التحايل عليه للوصول إلى نعيمها ليس فقط عن طريق المقويات و المنشطات ، و حديثها طويل و متشعب ، بل بحيل أكثر تقنية. فالخليفة المتوكل مثلا : كان يحب كثرة الجماع ، و ضعف عن الحركة ، فجعل له حوض و ملئ من الزئبق ، و بسطت عليه الفرش ، فكان يجامع عليه ، و كان الزئبق يحركه من دون أن يتحرك.لو رأيت المفكر الآن فسأقول له : إنني سأبدأ الدراسة بهذه الفكرة. هي الأساس الذي سأعتمد عليه في شرح الأدب الجنسي العربي.لماذا تعود إلى هذ الأيام صورة " المفكر " مختلطة بالنصوص القديمة ؟.منذ أن بدأت كتابة الدراسة انفجر القرار في داخلي مثل قنبلة : عر فت أنني سأفعل ما أجّلت سنوات طويلة. عرفت أنني سأعلن ما راوغت طويلا كي لا أعلن. ما تحايلت على نفسي كي يبقى فيّ.عرفت أن علي أن أعلن حياتي الموازية. أن أخرج إلى النور كومة أسراري الصغيرة . أن أمزق الستار الأخير عن المشهد الذي جاهدت طويلا لإخفائه.عرفت أن علي أن أقوم بما أّجلته : أن أستحضر المفكر بعد غياب. أن أكتبه إلى جانب أولئك المؤلفين العرب الذين كنا نحبهم معا.منذ أن بدأت كتابة الدراسة انفجر القرار في داخلي و كأنَ المفكر يمسك بيدي يجبرني على فعل ما لم أجرؤ يوما على فعله. يجبرني على أن أقول عاليا ما تعودت أن أحتفظ به لنفسي. يجبرني على أن أكتب حكايتي السرية معه.كل من التقيت به في مجتمع التقية يحذرني من موضوع الدراسة. لماذا ؟. الأفكار ليست هي السبب . يمكنني أن أكتب ما أشاء ، المشكلة هي الكلمات الكبيرة التي يجب أن تبقى سرية. و أول ما يخطر لهم طبعا هو الرقابة ، و كأنها متفرغة لقص كل كلمة جنسية تكتب. يبدو أنهم لا يتابعون ما ينشر الآن في العالم العربي كأنهم لم يكتشفوا بعدُ أنه لم يبق من الثلاثي المحرم إلا اثنان : الدين و السياسة المباشرة بالأسماء الصريحة. سقط الجنس من منخل الرقابة ، أو لنقل : إنها وسعت فتحاته.عندما قابلت منذ أيام سحر ، الباحثة في جامعة باريسية ، بادرتني مباشرة ، من دون تمهيد :هل صحيح أنك تعملين على كتاب عن الحب عند العرب. هناك كتب كثيرة عن هذا الموضوع. هل قرأت أندريه ميكيل؟، هل قرأت عن الحب العذري ؟، عن قيس و ليلي ؟، عن..قاطعت حاستها ببرود متعمد : أكتب عن الجنس عند العرب.سكتت برهة مترددة قبل أن تفتح فمها :آه . هل وجدت ناشرا ؟.لم أبحث. أكتب دراسة للمشاركة في ندوة عن الموضوع.أنت مخطئة. عليك أن تبحثي عن ناشر منذ الآن. هذه موضوعات تبيع.لم أختر الموضوع. أقترح علي و وافقت. دراسة أكاديمية.أكاديمية ؟.قرأت أشياء منها مترجمة إلى الفرنسية. جميلة جدا.أكتب بالعربية معتمدة على النصوص الأصلية.بالعربية ؟. المشكلة في هذه الحالة هي الرقابة. ليست هناك أية مشكلة بلغة أجنبية في استعمال أية كلمة مباشرة. بالعربية الأمر مختلف.النصوص موجودة و منشورة و تباع في المكتبات. لا أخترع شيئا. قلت لك : إنها دراسة . أنا لست الأولى.و إذا منعت ؟.أجبت هازئة :سأصبح مشهورة.كل الكتاب الآن يحلمون بمنع كتبهم ليشتهروا.و لم لا إذا كانت الرقابة على هذا الستوى من الغباء ؟.