ينطلق فى محراب جسد
من أن هناك معبداً وحيداً حقيقياً على هذه الأرض، هو جسد الإنسان يجب معرفة طقوسَ هذا المعبد وفلسفته، أرضه وكواليسه وأسراره، جنونه وفجوره وهلوساته، حقائقه وأقنعته وأكاذيبه، صوره وظلاله وتجلياته، الجميلة منها والبشعة، الملموسة والمجرّدة، الحسيّة والروحانية على السواء، في تصميمٍ مثقّفٍ ورصينٍ وعارف وعنيد على كسر أغلال المحرمات - توقاًً إلى أعلى سماءٍ للحرية بستحقها يد كل كاتب وعالم وفنان في هذه الحياة.

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضفاف عالم جبان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضفاف عالم جبان. إظهار كافة الرسائل

كحول أول مرّة... حب التجربة وتأنيب الضمير: بقلم / ملاك فقيه




       


الخمر خط أحمر؟    
"
أول ما بلشت أترك الالتزام بتذكر قلت الخمر خط احمر. الصلاة مشي الحال وتركناها، بس خمر ما في"، يقول حسن. يسترجع الشاب إحساسه بالذنب في كل مرة كان ينظر فيها إلى زجاجة الخمر: "عندما كنت متديّناً، دخلت مرّة إلى المطبخ في دار النشر الذي كنتّ أعمل به، ووجدت زجاجة نبيذ، خفت ولم أجرؤ على الإمساك بها حتى".
مع ذلك وبعد "ابتعاده عن الدين" بدأت فكرة شرب الكحول تدور في رأس حسن، خاصة مع زوال عقدة الذنب التي ترافق الخروج من منظومة القيم تلك. لذلك باشر حسن بالبحث عن "فوائد الكحول" إلى أن اقتنع تدريجياً بالأمر. كانت المرة الأولى مع عددٍ من أصدقائه الذين سبقوه إلى التجربة. "طلبوا بيرة، فطلبت بيرة أنا أيضاً. كانت المرة الأولى وأعجبني الموضوع، لأنّ جلستها مؤنسة".
وهكذا، تكرّر الأمر نفسه مرات عدّة. يخرج حسن مع رفاقه ويطلب البيرة، إلى أن صار الموضوع عادياً بالنسبة إليه.
لاحقاً، بدأ حسن بشرب النبيذ، يقول: "جذبني وصف هوميروس في الأوديسة لكيفية شرب للنبيذ، وكذلك همنغواي في روايته وداعاً للسلاح. كان الكتابان السبب في بدء علاقتي بالنبيذ. بعد عشاءٍ مع كأس نبيذٍ في أحد المطاعم في الحمرا، بدأ الشراب يتحوّل بالنسبة لي إلى قصّة حب مشوّقة".

أفكار شيطانية
لم يخطر لوسام تجربة شرب الكحول إلا بسبب الفضول والحشرية التي ترافق كل شاب في عمر المراهقة. لم تأت من رغبةٍ بكسر شيء ما، أو كردّة فعلٍ على أمر معين. الآن يسعى الشاب طوال الوقت لنسيان ما حصل وعدم تذكّره، وذلك بسبب تأنيب الضمير لارتكابه المحرّم. يقول وسام: "كنا مجموعة شبان تسعى لتجريب كلّ شيء، دون أي وعي أو إدراك للمخاطر التي قد نتعرّض لها". يضيف: "لم نكن نسعى لكسر المحرمات أو الخروج من الدين، هذا الموضوع أصلاً، كان وما زال ضمن دائرة اللامفكر فيه.. لكنّ الأفكار الشيطانية كانت تراودنا بين الحين والآخر، وغالباً ما كنّا نستجيب لتلك الأفكار". راودت "الفكرة الشيطانية" خلال زيارته الجميزة مع صديقه لأوّل مرّة. وقف الاثنان مطوّلاً أمام إحدى الحانات. زجاجات الكحول المعروضة في الواجهة بطريقة مثيرة ولافتة، "إلى درجة يأبى معها أيّ شخصٍ مقاومة إغراءها"، حسب تعبير حسام، دفعته لإيجاد الأعذار والحجج لإقناع نفسه بالتجربة ومحاولة نسيان ما ينهى عنه الدين. يقول: "رحت أفكر: حسناً، أغلب الناس قد جرّبوا شرب الكحول. الجميع عدا المسلمين يشربون الكحول، ونصف المسلمين غير ملتزمين بالمحرمات أساساً ويشربون أيضاً. مَن لم يجرّب شرب الكحول إذاً؟ قلة من الناس. فلأجربها! ". دخل وسام الحانة واحتسى أول رشفة من كأس النبيذ الأحمر الذي طلبه، فدارت في رأسه الآية "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع...". ارتجفت يداه، وبصق ما كان في فمه. يقول حسام: "لم يكن طعمه لذيذاً كلونه، وهو يحرق المعدة! لعنت الوسواس الخنّاس وخرجت من الحانة!".

بنت وبتشرب؟!
لم يكن الأمر متعلّقاً بالدين أو بالخوف من منظومة المحرمات. كانت لين قد تجاوزت هذه الأمور منذ فترة ليست بقصيرة. لكنّ الخوف من النظرة الاجتماعية لفتاة خرجت من المنظومة الدينية بقي حاجزاً نفسيّاً متجذّراً في داخلها. تقول لين: "تركت التديّن بصمت. لم أرغب بإثارة الضجيج من حولي، خاصة أننا نعيش في مجتمع قادر وبسهولة على تدمير الإنسان الذي يجهر باختلافه معنوياً، فكيف إذا كان هذا الإنسان فتاةً؟ بدأت بالانقطاع عن الصلاة تدريجياً، تبعها الصوم، قبل أن تتبعها بقية الأمور باستثناء شرب الكحول".
عملت لين على استبدال الأصدقاء المحيطين بها، لأنّها لم تعد قادرةً على مرافقة الملتزمين دينياً لانعدام الاهتمامات المشتركة مع مرور الوقت، ولعدم قدرتها على إخفاء أفكارها والتكتّم على قناعاتها طوال الوقت. "كنت في أحد مطاعم الحمرا مع الأصدقاء، عندما أصر عليّ أحدهم بتذوق النبيذ. بدأ الخوف نفسه والأفكار نفسها تدور في رأسي: "فتاة تشرب الخمر؟ وماذا لو عرف أهلي وأقربائي بذلك؟ وماذا لو صار الأمر عادة، كما تجرأت سابقاً على اعتياد أمور لم أكن أفكر في تجاوزها؟". رفضت لين الأمر في البداية، فبدأ أصدقاؤها بالضحك من خوفها وتردّدها. قال لها صديقها هشام: "أوعى كباية النبيد تاكلك". عادت لين لتفكّر بالأمر، معلمة الدين كانت تقول لهم إنّ الأغاني حرام، وكذلك الأمر بالنسبة للكحول. سألت لين نفسها: "لماذا يهاب الإنسان إذاً المحرمات الدينية بشكل متفاوت؟ لماذا لا يعاقب مَن يستمع إلى الموسيقى بينما يعاقَب شارب الخمر. القصة قصة مجتمع!". تشجّعت الشابة، وشربت النبيذ لأوّل مرة. تقول: "في الحقيقة سحر النبيذ يكمن في أجواء أكثر من طعمه. لكنّ الأمر لم يكن سيئاً، كان أسهل ممّا تخيلت". تضيف ضاحكة: "ربما ما نقل عن لسان المسيح صحيح: قليل من الخمر يُحيي قلب الإنسان
".

الجمال و الحرام .. بقلم / انستازيا ستيل



للجمال قداسة لا ينكرها أحد، وكعبارة تشير الكلمة إلى الأشياء الحسية المتناسقة التى تسبب لناظرها متعة ولذة، أو يكون الجمال إشارة لمعان أخلاقية تتسم بالنبل والشفافية والمثالية.
وتختلف قيمة ومعايير الجمال بحسب الزمن والثقافة، لكن يظل لجمال “الجسد” الإنساني مرتبة خاصة حيث تسبب تداعيات ما بعد متعة النظر إلى الشغف والفتنة والغواية، وهي التداعيات التي لا تحدث لمجرد النظر للأشياء الجميلة المادية الأخرى، لهذا كان الجسد دائما محل الفوضى وسببا للنزاع والحرمان والعذاب منذ بدء الخليقة حينما أغوت حواء آدم فأكل من التفاحة وهبط الاثنان إلى الأرض محرومين من نعيم الفردوس.
لا يمكن أن تتخيل رجلا يرى امرأة ذات ثدي كاعب وخصر نحيل ومؤخرة مستديرة، دون أن يتسبب هذا بشكل أو آخر في وخز الإحساس الموازي للجمال، وإثارة الشعور بالرغبة، أو التأكيد على الجاذبية، حيث تولد بالإضافة إلى تكرار النظر رغبات أخرى لإشباع حسي مرتبط بالجسد أيضا.
ما سبق يمكن اعتباره مقدمة لكشف سر المحاكاة في الفنون التى تقدس الجسد، أو ما يطلق عليه “الإيروتيك” الذي بدأ رسما، وتطور لكتابات وشعرٍ يصف العري، ورقص التعري، وتصوير العري، والمنحوتات العارية أيضا، إضافة إلى أفلام البورنو، ومؤخرا فنون أخرى كالاحتجاج عن طريق التعري.
إن للجسد، الذي يعتبره بودريار “أجمل مواضيع استهلاكنا”، خطابا خاصا ينم عن دلالات كثيرة تهدف لتحقيق التواصل، فكل حركة من الجسد تكون مفعمة بحمولة دلالية وثقافية ما، ولقد ظل الجسد على مر العصور وفي كل المجتمعات الموضوع الأساسي لمختلف السلطات الدينية والسياسية والاجتماعية وكذا الثقافية، وجعلت الأديان الجسد ومسببات الشهوة موضع “العيب والحرام”، على الرغم من القيمة الحسية واللذة والمتعة التي لا تتسبب في أذى.
ويعتبر علماء الأنثروبولوجيا، أن الإنسان ولد عاريا من دون ملابس، واجتمعت الظروف والمسببات فاتخذ من جلود الحيوانات وبعض النباتات أغطية لجسمه، تقيه الحر والبرد والمطر.
وبتطور سبل العيش ومتطلبات الإنسان، صارت للملابس أغراض أخرى ترتبط بمفاهيم معينة، كالعبادة والسحر، وفي الفن التصويري، ونلاحظ التجريد في التصوير الفوتوغرافي حيث تجريد الجسد البشري من إنسانيته ليصبح كالجماد، مثله مثل الرسم والنحت، إذ يتم توظيف ملامح الجسد البشري من ناحية الخطوط والأشكال كعناصر أساسية لخدمة العمل.
ويفسر علم النفس “التعري” بأنه ظاهرة مرضية نفسية يجد فيها الإنسان لذته الجنسية، من خلال نزع الملابس عن الجسد والتأمل فيه أمام المرآة، أو إظهاره للناس، وتكثر بين المصابين بأمراض الذهان.

الأدب الجنسي “الإيروتيكي”
يرى النقاد أن الغرب أكثر تسامحا مع الجسد، لذا نجد هذا النوع من الأدب بكثرة لديهم باعتباره موضوعا إنسانيا، فيما ينكر مثقفو العرب وجود هذا الأدب ضمن الأدب العربي، بينما هو موجود منذ العصور القديمة، وقد كشف الأدب الإيروتيكي عن هوية الفكر بشرائعه وعاداته وتراثه، وبحكم العادات والتقاليد المستحدثة يرفض الناس كل ماهو جريء غاضين البصر عن نصوص أدبية شهيرة، مثل معلقة امرؤ القيس، التي لم تخل من الجرأة والجنس، إضافة إلى النصوص الأدبية التي احتوت على كثير من الجرأة والفحش، ويمكن أن نجد هذه في كتابات الجاحظ  “كتاب مفاخرة الغلمان”، وابن حزم، وفي روايات عديدة مثل “ألف ليلة و ليلة” و مؤلفات السيوطي “نواضر الأيك”، ويعتبر أبو نواس عميد الأدب الإيروتيكي العربي.
الفنون الجميلة العارية
إذا كانت الكلمة موحية وتعمل على تحفيز الخيال فإن للفن المجسم نظرة أخرى، ويعدّ الفن العاري من أقدم الفنون وربما يسبق التصوير الكتابة، وتشير التواريخ إلى أن العري بدأ من حضارات الشرق الأقصى ليصل ذروته من خلال الفن الغربي، خاصة في الفترة الهلينستية، أي قبل الميلاد، واستخدم مثل هذا الفن للتعبير عن المثل العليا وإبراز جمال الصفات البشرية، وانتشر بشكل خاص في الفن اليوناني القديم، وبعد فترة توقف طويلة عاد للظهور مرة أخرى في عصر الرينيسانس “النهضة” في أوروبا.
ووصف الفن العاري أجساد المحاربين والرياضيين والراقصين، وهو للتعبير عن مشاعر أساسية تعبر عن طاقة الإنسان وجماليات الخلق والإبداع.
تم العثور على تماثيل فينوس في وقت مبكر قبل التاريخ، وهناك صور تمثل آلهة الخصوبة والإلهات في الحضارة البابلية والفن المصري القديم وفي حضارات الهند واليابان.
قبل عصر التحليل النفسي الفرويدي ظهر الأطفال عراة في الأعمال الفنية الكلاسيكية، وكان يفترض أن الأطفال ليست لديهم مشاعر جنسية قبل سن البلوغ، لذلك تم عرض أطفال عراة كرموز البراءة النقية وظهر الأطفال العراة في لوحات جون سينجر سارجنت، جورج بيلوز، وغيرها.
وتجاهلت الدراسات الأكاديمية في الفنون تمثيل الرجال في الأعمال الفنية وهم عراة، وكان التركيز بشكل أساسي على الإناث بالرغم من أن ظهور الذكور في الفن الكلاسيكي وهم عراة مثّل جانبا مهما وأكثر عمقا للشهداء والمحاربين والآلهة.

سينما البورنو
استحدثت فنون إيروتيكية أخرى موضوعها الأساسي هو الجسد العاري أثناء ممارسته الجنسية لإثارة الغرائز، ومع ظهور المسرح والتمثيل وحتى السينما.
لكن بشكل عام، نجد إرهاصات السينما الإيروتيكية في بدايات الحضارة البشرية، ففي بعض بلدان شرق آسيا والهند ونيبال نقوش وآثار تصور أوضاعا إباحية كثيرة، حتى أن ممارسة الآلهة لأوضاع الجنس كان نوعا من العبادة وهو ما تثبته المعابد هناك.
ومؤخراً، انتشرت الإباحية بفضل تطور وسائل الإعلام، فصناعة المواد الإباحية متزايدة الإنتاج والاستهلاك، ساعد على نموها السريع التطور في صناعة التصوير وأجهزة العرض، ووسائل الاتصال.
في سبعينات القرن العشرين، انتشرت المجلات والأفلام الإباحية نتيجة الثورة الجنسية في الغرب، وفي الثمانينات مع اختراع الفيديو زادت هذه التجارة بصورة كبيرة، ومع بداية التسعينات ظهرت آلاف من المواقع الإباحية على الإنترنت وبدأت الكثير من الشركات فى بيع الأفلام الإباحية عبر الإنترنت.
الجسد يوحي بالجمال والفتنة، وكمؤثر، محفز، والآثار المترتبة على وجود الأجساد البشرية هي بالضرورة مثيرة لمشاعر الرغبة، وتقدير لقيمة الجمال حسيا ومعنويا، وإن كان لحظيا، بعيدة عن الأذى، لكن وضعتها القيود المجتمعية في نطاق “الحرام”.

أناييس نين ... بقلم / محمد الرايق

دلتا فينوس : الان فى المكتبة العربية


أصدقاؤها وعشّاقها بين أبرز كتّاب القرن العشرين: من هنري ميللر إلى لورنس داريل، مروراً بأنتونان أرتو. صاحبة الشخصيّة الغريبة عاشت صخب الأربعينيات في باريس، بين زواجها الرتيب والتحليل النفسي والكتابة... وفتحت الباب على مصراعيه للأدب الإباحي بقلم النساء لا تحفل المكتبة العربية بأعمال الكاتبة الأميركيّة (الفرنسيّة الأصل) أناييس نين (1903ــــ1977)، فعدا شذرات متفرقة من يومياتها التي تربو على سبعة مجلدات، وترجمة لروايتها «كولاج» (دار ورد)، لن يجد القارئ صورة واضحة عن أعمال هذه الكاتبة المثيرة التي قورنت بمارسيل بروست لجهة إطاحتها البنية التقليدية في الرواية، وترك العنان لشخصياتها بالتجوّل في المكان والزمان بحرية مطلقة في محاولتها وصف الحياة بكل صفاء الحلم المبعثر، وبأسلوب تحريضي ونثر محكم ومقتصد. «دار المدى» أماطت اللثام أخيراً عن أحد أكثر كتب أناييس نين جرأةً: إنّه «دلتا فينوس» (تعريب علي عبد الأمير). في المقدمة تروي نين ظروف كتابة مجموعة القصص الإيروتيكية تلك، بناءً على طلب رجل ثري جامع كتب، عرض على الروائي الأميركي هنري ميللر عام ١٩٤٠ كتابة نصوص إباحيّة... وكان أن انخرطت أناييس في المشروع أيضاً للخروج من الحالة المادية الصعبة التي كانت تتخبّط فيها. وكانت تعرّفت في باريس الثلاثينيات، إلى صاحب «مدار السرطان» الذي كان يعيش حياة بوهيمية. ومنذ اللحظة الأولى، أحست أنّها تفتقد إلى هذا العالم الغرائبي، فقد كان رفاق ميللر قطّاع طرق ومومسات ومدمني مخدرات، وبدا لها أنّ حياة القاع ستفتح أمامها الأبواب الواسعة لحياة لم تألفها بصحبة زوجها المصرفي الصارم... هكذا ارتمت في علاقة عاصفة مع الكاتب الأميركي الذي لم يكن بلغ شهرته آنذاك. وتذكر نين في يومياتها أنّ الملياردير الغامض كان يمنح ميللر مئة دولار شهرياً ليكتب قصصاً إيروتيكية. وقد بدا ذلك أشبه بعقاب دانتي: أن تكتب أدباً إيروتيكياً مقابل دولار للصفحة الواحدة. كان ميللر يرى الكتابة بحسب الطلب مهنة المخصيّين.... لكن الحاجة دفعته إلى اختراع قصص جامحة، لم تكن من صلب عمله، ولم يضع توقيعه عليها أبداً. وقد أورثته هذه المهنة السرّية الكآبة والضجر. ذات مرّة كان ميللر يحتاج لمبلغ يغطي نفقات سفره، فطلب من نين أن تكتب شيئاً في غيابه. هكذا، دخلت صاحبة «شتاء الخديعة» هذا الحقل الفريد لتكون أول كاتبة تقتحم الكتابة الإيروتيكية من دون مواربة. صحيح أنّها لم توقّع قصصها باسمها الصريح آنذاك، لكنها تمكّنت من ابتكار جنس أدبي كان آنذاك حكراً على الرجال. في اتصال أجرته نين مع الرجل الذي لم تقابله أبداً، بدا متحمساً لأول قصة كتبتها: «إنها كتابة رائعة. إنما اتركي الشعر ووصف الأشياء كلها، وركزي على الجنس». تقول نين: «بدأت الكتابة بلغة وقحة، كي أغدو غير مألوفة، وبالغتُ كثيراً في وصف الجنس، وخصوصاً أنني قضيت وقتاً طويلاً في المكتبة أدرس الكاماسوترا الهندية، مصغيةً إلى مغامرات موغلة في الإسراف الجنسي». كانت متيقنة من أنّ الرجل العجوز لا يعرف شيئاً عن النشوة وسعادة الحب، فهو يرغب بكتابة تخاطب الغريزة، بمعزل عن تأثير الحواس الأخرى. وحين قبضتْ أناييس أول مئة دولار مقابل نصوصها الإباحيّة، تقاسمت المبلغ مع الأصدقاء المحتاجين، وكان هنري ميللر أحدهم طبعاً. التجربة التي بدأت أشبه بدعابة وتسلية، وكان الدافع إليها الحاجة إلى المال، كشفت لدى نين بعداً آخر يتجلى في خصوصية كتابة المرأة عن الجنس، في حقل لم يُختبر قبلاً. فهناك اختلاف واضح بين المعالجة الذكورية والمعالجة الأنثوية للتجربة الجنسية. في كتاباتها، تطغى الشاعرية والغموض على طريقة الوصف، ونستشف أسراراً حسية خاصة بالمرأة، على عكس ما نقع عليه لدى ميللر. إذ كانت كتاباته شديدة الوضوح على خلفية هزلية: «النساء، في اعتقادي، أكثر ميلاً لأن يدمجن الجنس مع العاطفة، مع الحب، مع الإحساس، لكنّنا لم نتعلم حتى الآن كيفية الكتابة عنه. لغة الحواس لم تُستكشف بعد». 15 قصة مترعة بالخلاعة والبورنوغرافيا والمكاشفات الحسيّة والإثارة، هي حصيلة تلك التجربة الاستثنائية، لكاتبة ظلت حتى فترة طويلة تبحث عن ناشر لكتبها الأخرى «الجدّية». ما اضطرها إلى أن تعمل في مطلع حياتها راقصة في نادٍ ليلي، و“موديل” للرسامين والنحّاتين، وأن تتشرد بين باريس ونيويورك بعدما هجرت المدرسة باكراً (نجد أصداءً لهذه المرحلة من حياتها في قصصها اللإاباحيّة). لكنّ نين لم تخرج من تلك التجربة من دون انتقام. كتبت لجامع الكتب الغريب الأطوار، رسالةً طويلةً كانت أقرب إلى التحليل النفسي منها إلى الهجاء: «أنت لا تعرف ماذا تفقد من خلال عزلك المجهري للنشاط الجنسي، وإقصاء الملامح الإنسانيّة التي هي وقوده الفعليّ. أي البعد الفكري والخيالي والرومانسي. إنّه ما يهب الجنس صفاته المميزة المدهشة، وتحوّلاته الحاذقة. أنت تقلّص عالم أحاسيسك، تذبله، تجوّعه، تفرّغ دمه»... وتختتم رسالتها كالآتي: « إذا كنت أغلقت حواسك، وأغفلت الحرير والضوء واللون والرائحة والشخصية والمزاج، فلا بد أنك الآن ذبلتَ كلياً. وحدها الخفقة المشتركة بين الجنس والقلب معاً تستطيع أن تخلق النشوة». تعترف نين بأنّها اقتحمت الكتابة الإيروتيكية في البدء بأسلوب سردي مستمد من قراءات لأعمال الرجال، وخصوصاً دي. إتش. لورنس الذي خصّته بكتابها الأوّل (١٩٣٢). هذا الكاتب الذي منح الغريزة لغةً عميقة وأصيلة. لكنّ البعد الذاتي لن يلبث أن يأخذ مكانه: «إنّ صوتي الخاص لم يقمع كلياً. في بعض قصصي استخدمت بديهياً لغة امرأة، ورحت أنظر إلى التجربة الجنسية من وجهة نظر امرأة. قررتُ أخيراً أن أطلق سراح الإيروسيّة الكامنة في داخلي، فقمت بالخطوات الأولى لامرأة في عالمٍ كان مُلكاً للرجال». «ورشة الدعارة الأدبية» كما أسمتها أناييس متهكمةً، فتحت الباب على مصراعيه في أربعينيات القرن العشرين للأدب الإباحي، وأسهمت في تشجيع عشرات الناشرين على إطلاق المجلات الإيروسية. وكما علقت لاحقاً: «الجميع جعلوا يكتبون تجاربهم الجنسية. تجارب مُخترعة، لا أحد يعرف ما إذا كانت صحيحة أم ملفّقة».

 كاتبات عربيات على خطاها... بعد نصف قرن 

في «دلتا فينوس»، تقتحم أناييس نين عالماً سرّياً وتضيئه من الداخل، باستسلام الراوية للنزوات والأهواء والرغبات. وتكشف عن شخصيات تتحكم بحياتها الشهوانية، وتحكي عن اقتناص لحظات اللذة أينما كانت، في الأسرّة وتحت الجسور، في الشوارع المظلمة وفي القصور. صحيح أنّ نين كتبت هذه القصص تحت ضغط الحاجة إلى المال، لكنّها دشّنت نوعاً أدبياً نسوياً، ستقتحمه أخريات بعد عقود بوصفه ملاذاً لحرية كانت مفتقدة ومحرّمة، وعفّة فرضتها القيم الاجتماعية الصارمة. لعل الكتابات الأنثوية العربية اليوم، في تجرُّئها على المحظور، تدين بالكثير إلى تلك الأديبة الجريئة التي سبقت عصرها، كاشفة عن احتدامات الجسد المشتعل وانفعالاته من دون وجل. هناك مسافة نصف قرن بين مكاشفات أناييس نين والتمارين الإيروتيكية العربية التي تُحاكم بقسوة، تحت بند خدش الحياء العام. لعلها فرصة للمقارنة؟ بعد وفاتها بالسرطان (1977)، قفزت كتب أناييس نين إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة وبريطانيا: «بيت السفَاح» (1936)، «جاسوسة في بيت الحب» (1954)، إضافة طبعاً إلى «اليوميات». تقول نين: «إن لم تتنفس عبر الكتابة، إن لم تصرخ في الكتابة، أو تغنّي في الكتابة، إذاً لا تكتب». هكذا، كانت فلسفة هذه الكاتبة التي صادقت أبرز كتّاب القرن العشرين: هنري ميللر، أنتونان أرتو، غور فيدال، لورنس داريل. سوريالية كتبت هذياناتها بأقصى طاقة الروح، وحسيّة إلى ما فوق الخطوط الحمر. ألم تقل يوماً «ارمِ أحلامك في الفضاء، كما ترمي طائرة ورقية، فأنت لا تعرف ما الذي ستعود به، حياةً جديدة، صديقاً جديداً، حباً جديداً، بلداً جديداً»

اللغة الإباحيّةُ المغموسةُ باللّذّةِ (آيروسية).. بقلم / آمال عوّاد رضوان





هناكَ لغةٌ بورنوغرافيّةٌ ماجنةٌ فاحشةٌ خليعةٌ، تحدّثتْ عن الغرائزِ والاحتياجاتِ الحيوانيّةِ الطّينيّةِ،والسّقوطِ في هوّةِ الجسدِ المسكونِ بالمجهول والعتمة،فهل تمكّنتِ الكتابةُ الجامحةُ الموغلةُ في الإباحيّةِ الجنسيّةِ، مِن تدنيسِ طُهْرِ الأدبِ الجامعِ للحضارةِ، ولكلِّ مكتسباتِ الإنسانِ مِن معرفةٍ وثقافةٍ؟ أم أنّ القياسَ والمقاييس نسبيّة مِن وجهةِ التّفكيرِ والتّكفيرِ، لا تخضعُ للتّعميم والتّخصيص؟
وهناكَ لغةٌ إباحيّةٌ رقيعةٌ فيها مِن مجانيّةِ الابتذالِ والاستفزاز، ما يجعلُ الكاتبَ يعتلي أمواجَ الوصفِ الجامح والتّعريةِ المدوّيةِ الجريئة، والإخبارِ والإمتاع بكلماتٍ حسّاسةٍ صريحة، فتُسقِطُهُ في الإسفافِ وتُغرقُهُ، ثمّ تطفو به في مرافئِ البورنو، دونَ أن يَحملَ في جعبتِهِ محاراتِ ابتكارٍ فنّيّ يبعثُ على الدّهشة، فهل يفتقرُ كثير من الإيروتيك لزخّاتٍ روحيّةٍ على جسدِ الطّريقِ الابتكاريّةِ والدّهشة؟
يقولُ أرسطو اليونانيّ: "الدّهشةُ هي بدايةُ المعرفة"، فهل نعتبرُ الكتابةَ والفنون فعلاً جماليًّا يُدهشُ القارئَ، توصلُهُ للمعرفةِ والغوصِ في جوهر الواقع، مِن خلال مبنًى جميلٍ ومعنًى لذيذٍ، بعيدًا عن ألفاظٍ مقزّزة وأوصافٍ مثيرةٍ للاشمئزاز؟
لدينا كاتباتٌ كثيراتٌ يمتلكنَ ناصية َالسّردِ والرّواية والشّعر، وهنّ على ثقافةٍ واسعةٍ، يزخرُ إبداعُهنَّ بمَلَكةِ اللّغةِ والأدواتِ والأسلوب الإبداعيّ، وبحسٍّ مرهفٍ ومعالجةٍ أدبيّةٍ راقيةٍ للأشياء، بقالبٍ دراميٍّ فنٍّيٍّ جميلٍ مقبولٍ.
جماليّة الآيروسيّة الضّبابيّة وتناولِ الجسد بجمالِهِ وقدسيّتِهِ وكُنْهِهِ الجميل، تلجأ إلى كونيّةِ الأحاسيسِ العميقةِ الرّزينة، وتستلهمُ أبعادَها مِن جزيئيّات قوالبِ الحياة، وتفتحُ مداركَ واسعةَ الرّؤى، بعيدًا عن الاستهتارِ والتّناقضاتِ الّتي تشوّشُ وضوحَ الرّؤى، وتدعو ضمنيًّا لمعالجةِ قضايا اجتماعيّة شتّى.
بونٌ شاسعٌ ما بينها وبينَ قِحة الآيروسيّة محدودةِ الفِكر، كبدعةٍ تخلو من المحاسن اللّغويّة والفكريّة، والّتي تعتمد على الالتباساتِ والانشطارات الذّهنيّةِ والصّراعاتِ الفكريّةِ النّفسيّةِ، واستثارةِ الشّهواتِ الكامنة، بعيدًا عن وعيِ الإنسانِ العقلانيِّ لاكتشافِ المعرفة؛ وترسيخ تصوّراتِ الوعي ضدّ تخيّلات اللاّوعي.
غوتة يقول: "ليسَ هناكَ مِن شيءٍ أكثر رُعبًا من جَهْل ناشط"!
فكم بالحري لو كانَ ذاك النّاشط كاتبًا أو فنانا، يُحرّكُالرّاكدَ الجميلَ دونَ درايةِ الأبعادِ ومعرفتِها، ويستنطقُهُ بفظاظةٍ وجهلٍ، كما لو كان حقيقة؟
في العقودِ الأخيرةِ تجرّأتِ المرأةُ العربيّةُ على كسْرِ المُحرّمِ الجنسيِّ، والخروج بعيْن حَرفِها عن تضاريسِ اللّغة ونتوءاتِها الرّاقية، وتمادتْ بالتّحليقِ الفاضحِ في فضاءٍ يتشاسعُ برؤيةٍ آيروسيّةٍ شبقة، وأفكارٍ شهوانيّةٍ موغلةٍ بالمراوغةِ الأنثويّةِ والإغواءِ الجنسيّ، وشهوانيّةٍ مفرطةٍ بالمباشرة، والوصف الدّقيق في سردِ مواضيع حبّ وتجارب غراميّة خليعةٍ، وقسمٌ كبيرٌ من إنتاجِها بعيدٌ كلّيًّا عن البُنيةِ الفنّيّة! كما أنّ هناك مواقعَ إلكترونيّةً ثقافيّةً تتباهى بالإيروتيكيّةِ كجزءٍ طاغٍ فيها.
*هل الجسدُ صوتٌ صارخٌ في برّيّة الحرّيّة الفوضوية، يحملُ بمدلولاتِهِ الإيروتيكيّة ما قد يُسيء إلى حرّيّةِ الجسدِ بتفاصيلِهِ البريئةِ، أم أنه يَعجنُ بأناملِهِ المرهفةِ اعترافاتٍ شهوانيّةً، تتناقضُ بينَ المفاتنِ والمعرفةِ الأنثويّةِ لدقائقِ دفائنِها؟
*هل اللّغةُ الإباحيّةُ المغموسةُ باللّذّةِ الأنثويّة، هي نوعٌ مِن إسقاطاتِ المجتمع، تُشكّلُ خطابًا تراكميًّا مُريبًا يكشفُ عوراتِ المجتمع، ويُهدّدُ خرابَهُ العابثَ بمقامِها؟ أم هي لغةٌ متمرّدةٌ تجتهدُ حروفُها النّحيلةُ في فكِّ الخناقِ عن كيانِها جسدًا وروحًا، للتّخلّصِ مِن التّحجيمِ الميدانيّ والتّهميشِ الفكريِّ والتّأطيرِ الاجتماعيّ؟
*هل هي لغةٌ تكشفُ عن نرجسيّةِ جسدِ أنثى عارمٍ بالمخبوءِ السّافر في أناها، أم هي لغةٌ تسعى إلى تحقيقِ رؤى فلسفيّةٍ جماليّةٍ تعيدُ للأنثى هدوءَها الرّوحيَّ ورفاهيّتَها الأنثويّة؟
*هل هذه اللّغةُ تحملُ برمزيّتِها مجازًا يَعْبُر مِن اللّفظِ الكلاميِّ إلى أبعادِ المعنى الّذي ترمي إليه، مِن خلال سطوةِ الجسدِ، وتذكيرِ الرّجلِ بعقليّتِهِ الموروثةِ، ومفاهيمِهِ المحدودةِ بجسدِها، أم تحاولُ أن تؤنسنَ أسَدَها وتخرجُهُ من عرينِ وحشيّتِهِ إلى مملكةِ العدْلِ الإنسانيّة؟ وبالتالي؛ هل هي حقًّا بذلك، تُنصِفُ نفسَها وانتقالَها من ربّةِ خدرٍ إلى ربّةِ حبٍّ، أم تُؤكّد دونيّتَها واضطهادَها لنفسِها بنفسِها؟
*هل تُكتبُ النّصوصُ الإيروتيكيّة حين يكون الكاتبُ في ذروةِ هياجهِ الجنسيّ، فتخرجُ النّصوصُ بوَحْي الغريزة، وتتناكحُ الحروفُ والكلماتُ تعاشقًا تُنتهكُ فيهحرمةُ الأدبِ الأخلاقيِّ السّائد؟
*هل الآيروسيّةُ تقومُ على فكرةِ الماورائيّات، فتبلورُها بلغةِ الجسدِ والإيحاءِ والتّأمّل والتّصوّرِ الفكريّ، مِن خلال التّجرّدِ الرّوحيِّ وتحريرِ الجسدِ السّاكنِ، من أجل بعْثِ روحِ السّعادةِ المغايرة فيهِ؟ أم هو نوعٌ مِنَ التّخديرِ الحسّيِّ يصلُ إليهِ الكاتبُ، لاستنباطِ فكرةٍيكتبُ عنها لأنّهُ يفتقرُ إليها؟
*هل اللّغةُ الإيروتيكيّةُ هي بوّابةُ المسكوتِ عنه في العالم العربيّ واللاّمفكر فيهِ، وهي المَعْبَرُ الشّبقُ المتمسِّحُ بالتّحرّر، ومنهُ يَنْفَضُّ إلى فضاءاتِ اللّهو والمجون والفساد؟ أما مِن طريقٍ آخرَ ولغةٍ أخرى يُمكنُهُما تجاوزَ المكبوتِ والمقموع؟
*هل النّصوصُ الإيروتيكيّةُ المتشدّقةُ بالشّهوانيّةِ، وبالخطابِ الإباحيِّ البورنوغرافيِّ، تعكسُ حقيقةَ المجتمعِ المأساويِّ في ضياعِهِ، بمجموعِ محمولِهِ الدّينيِّ والأسطوريِّ والثّقافيِّ والاجتماعيّ، وبمدلولاتِهِ الرّمزيّة المُتوّجةِ بالتّخلفِ والغربةِ والفسادِ وعلاماتِ استفهام؟
*هل مردُّ الإيروسيّةِ دوافعُ الكاتبِ الغريزيّةِ المادّيّةِ المفصولةِ عن الرّوح تمامًا، بتطرّف ودونَ اعتدال، ممّا تهبطُ بمستوياتِ طاقتِهِ الرّوحيّةِ، وتهيمنُ الكآبةُ معربدةً نتيجةَ للنّقصِ الرّوحيِّ، والحوافزِ المولّدةِ للفكرةِ الدّيناميكيّةِ، ومن واعزٍ شخصيٍّ بعيدٍ عن طبيعةِ المجتمع؟
*هل في شبكةِ إحداثيّاتِ الآيروسيّةِ تكمنُ عناكبُ تغزلُ مصائدَ لمصائبَ، كلغةٍ تعويضيّةٍ عن إفلاسِ الكاتبِ وسأمِهِ وفشلِهِ، وعجزهِ في تحرّكِهِ السّليم، بسببِ هشاشةِ القاعدةِ الفكريّةِ والحسّيّةِ الّتي يقفُ عليها، أم بسببِ اهتزازِ رؤاهُ وخيالِهِ الخصبِ بالشّبق والرّغبة بالجنس؟
*هل هي نوعٌ مِن الإدانةِ الصّريحةِ لعولمةِ الجسدِ، وتدميرِ صورتِهِ البشريّةِ بلغةٍ استهلاكيّةٍ مأزومة؟
*لماذا انتقلت الإيروتيكيّةُ مِن لغةِ المجازِ البلاغيِّ للجسدِ والمضمرِ في تأويلاتِهِ، للمباشرة المقزّزة؟
*هل العبثيّةُ السّائبةُ بينَ عالمِ الانغلاقِ وعالمِ الانفتاح، دونَ حصانةٍ ومسؤوليّةٍ، ودونَ قيودِ قيمٍ أخلاقيّةٍ ومناعةٍ حضاريّةٍ، تؤدّي إلى تفشّي الخرابِ وتدهورِ الكيانِ الحضاريّ، أم البناء الوهميّ، أم إلى ...؟

تاريخ الادب الايروسى العربى ... بقلم / احمد نجم




يقتصر مصطلح المواقع الإباحية‮ ‬غالباً‮ ‬علي المواقع الأجنبية التي تقدم صوراً‮ ‬أو تسجيلات فيديو
لمشاهد جنسية ذات طابع بورنوغرافي،‮ ‬وهو التعريف الذي لا ينطبق علي الكثير من المواقع العربية

ذات الطابع الإيروتيكي‮. ‬فالمواقع العربية البورنوغرافية نادراً‮ ‬ما تعرض صوراً‮ ‬أو أفلاماً‮ ‬

جنسية،‮ ‬ويعود ذلك ببساطة إلي عدم وجود صناعة بورنوغرافية عربية،‮ ‬ولكنها في الأغلب لقطات أو

صور مختلسة بالموبايل،‮ ‬بينما تتشكّل المادة الأكبر علي المواقع الإباحية العربية من نصوص وقصص

وروايات وأحياناً‮ ‬قصائد شعرية بعضها يصعب تصنيفه ما بين البورنوغرافية والإيروتيكية‮.‬

‮ ‬تقترب معظم هذه الكتابات من تراث الكتابة الإيروتيكية الذي عرفه الأدب العربي قديماً،‮ ‬وهي الكتابة
التي تقلّص وجودها مع نهاية القرن التاسع عشر،‮ ‬حتي عاد الجنس ثانية إلي الأدب العربي مع ظهور فن الرواية بالقرن العشرين،‮ ‬لكن ظل وجوده في الرواية محدوداً‮ ‬في إطار ضيق،‮ ‬واختفت الكتابات

والألفاظ الصريحة التي ميّزت كتابات السيوطي،‮ ‬والنفزواي وبالطبع ألف ليلية وليلة‮. ‬لكن ظهور
الإنترنت بما وفّره من مساحة حرية‮ ‬غير محدودة كان علي ما يبدو فرصة لظهور هذا النوع من الأعمال
مرة ثانية‮.‬

الآباء المؤسسون‮ ‬:


مع بداية عام الألفين لم تكن المدونات قد ظهرت بعد،‮ ‬وتكلفة إقامة موقع علي شبكة الإنترنت كبيرة

نسبياً‮ ‬إلي جانب التعقيدات التكنولوجيا،‮ ‬لهذا فقد كان الحل الذي لجأ له مستخدمو الإنترنت لنشر أفكارهم
وتبادل آرائهم هو المجموعات البريدية‮.‬

تقوم فكرة المجموعات البريدية علي قائمة مفتوحة من الإيميلات،‮ ‬ويمكن لمن يريد إضافة‮ "‬إيميله‮"


‬الشخصي وتبادل الرسائل مع عدد لا محدود من أعضاء المجموعة‮. ‬مهدت هذه الوسيلة الطريق لظهور مجموعات بريد عربية لا يقتصر اهتمام أعضائها إلا علي القصص الجنسية‮.‬

كانت تلك القصص في البداية عبارة عن أسطر قليلة،‮ ‬أو فقرات منقولة من كتابات عربية قديمة تتميز

بذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها الصريحة‮. ‬إلي أن ظهرت مجموعة‮ "‬محبي د.نادية  ‬كانت أكبر

مجموعة مهتمة بالقصص الجنسية علي الإنترنت وتترأسها د.نادية التي كتبت أكثر من عشر روايات
كاملة،‮ ‬بالإضافة لقصص أخري،‮ ‬وعدد لا نهائي من المقالات التي تدافع فيها عن المعارضين لكتابتها‮.
‬كانت نادية تتبني موقفاً‮ ‬شديد الوضوح يؤكد علي أن السبب الأساسي لتخلف المجتمع المصري يكمن
في أنه مجتمع‮ ‬غير صريح،‮ ‬غارق في الوحل ومع ذلك يرفض مواجهة هذه الحقيقة‮. ‬وكانت هذه الفلسفة
تنعكس بشكل ما علي أعمال نادية،‮ ‬فضابط البوليس رجل شرير معظم الوقت،‮ ‬وشيوخ الطرق الصوفية،‮

‬والفضائيات‮ ‬غارقون إلي آذانهم في ممارسات جنسية أقل ما توصف به‮ ..‬الشذوذ‮.‬
لم تتوقف أعمال نادية عند القصص والروايات أو كتابة ما يفترض أنه مذكراتها الشخصية،

مهّد ظهور نادية باسمها الذي أصبح علامة في مجال الكتابة الإيروتيكيا علي الإنترنت الطريق لظهور

نجوم آخرين منهم عادل وصفي،‮ ‬نجوي عزيز،‮ ‬والثنائي خالد وميادة،‮ ‬ود.سامي محمود رزق الشهير
بسنوسرت الثالث صاحب رواية‮ "‬الرحيل نحو المجهول‮" ‬والتي تدور حول نجاح إسرائيل في احتلال
مصر باستخدام السلاح النووي،‮ ‬فيهرب د.سامي بطل القصة مع عشيقته د.نادية،‮ ‬وثلاث نساء أخريات

إلي الصحراء،‮ ‬حيث يبدأ د.سامي في ممارسة الجنس مع الثلاث لكي يكثر من ذريته،‮ ‬ويعد جيشاً‮ ‬من

أبنائه وبدو الصحراء لتحرير مصر وإعادة أمجاد الفراعنة‮.‬

الريادة المصرية في مجال الأدب الإيروتيكي كسرها ظهور منافسين آخرين من السعودية والخليج،‮

‬لتتغير أماكن القصص من القاهرة وشبرا وقري الدلتا إلي الدمام والرياض،‮ ‬ومعها يتغيّر مستوي اللغة
وتظهر اللهجات المحلية المميزة لدول الخليج العربي بوضوح‮. ‬لكن هذا ترافق مع ظهور مواضيع
أخري في تلك القصص علي رأسها زنا المحارم،‮ ‬بينما تميّزت القصص السعودية بالنهايات التراجيدية
حيث يصاب البطل بالإيدز أو يموت في الطائرة أثناء عودته من تايلاند‮.‬
 
نادي الأدب الإيروسي:


 
بدعم من د.نادية،‮ ‬وعدد من محبي الكتابة الإيروسية ظهر عام‮ ‬2002‮ ‬موقع النادي الأدبي الإيروسي

كمدوّنة إلكترونية تحوّلت بمرور الوقت إلي الكتابات الإيروسية العربية منذ الشعر الجاهلي وحتي الآن‮.


‬وتعرّض النادي طوال تاريخه لمحاولات متعددة من التخريب الإلكتروني علي يد عدد من القراصنة ذوي الميول الإسلامية المعروفين بمجاهدي الإنترنت‮. ‬وشهد النادي عام‮ ‬2004‮ ‬ظهور رواية‮ "‬مديحة‮" ‬

البالغة أكثر من‮ ‬400‮ ‬صفحة والتي تعتبر درة الكتابات الإيروسية العربية الحديثة،‮ ‬وتدور حول الحياة


اليومية العادية لزوجة شابة مع وصف تفصيلي بالطبع للحظاتها الحميمة والخيالات الجنسية التي تعبر
برأسها‮.‬

‮ ‬وفي عام‮ ‬2006‮ ‬اختفت نادية ولم تعد للكتابة مرة ثانية،‮ ‬وتوقف موقع النادي الإيروسي عن التحديث،‮
‬وبعد فترة تعرض للتخريب علي يد مجاهدي الإنترنت،‮ ‬لكن في هذه الفترة كانت المواقع المتخصصة في
الكتابات الإيروسية العربية قد تحوّلت إلي ركن أساسي من المحتوي العربي علي الإنترنت‮. ‬وظهرت

عشرات المنتديات المخصصة لهذا الموضوع،‮ ‬وتنافست فيما بينها في عدد الأعمال الإيروسية


الموجودة علي كل منتدي،‮ ‬بل لجأت بعضها إلي فرض اشتراك علي كل عضو جديد مقداره‮ "‬واحد قصة‮"


‬فكل عضو حديث لابد أن يكتب علي الأقل قصة إيروسية واحدة علي الأقل لكي ينضم إلي الموقع،‮ ‬وكان هذا سبباً‮ ‬في تزايد عدد القصص الإيروسية العربية الموجودة علي الإنترنت،‮ ‬ولكن للأسف معظمها لا

يعرف من كتابها،‮ ‬حيث تكتب هذه القصص بأسماء مستعارة وأحياناً‮ ‬بدون أسماء أساساً‮. ‬وإن كان هذا

لم يمنع ظهور أعمال روائية كبيرة مثل‮ "‬بيت الطالبات" و"‮ ‬غرفة‮" ‬48‮ ‬و‮ "‬سمر وأخواتها‮".

مولــد فيـنــوس ... بقلم / فنان معاصر


مولــد فيـنــوس
Birth of Venus


للفنان الفرنسي الكسنـدر كابـانيــل
Alexandre Cabanel

ظلت أسطورة فينوس موضوعا مفضلا للعديد من الفنانين عبر العصور المتعاقبة.
ومن اشهر الأعمال التي صوّرت الأسطورة هذه اللوحة لـ الكسندر كابانيل والتي ُعرضت لاول مرّة في صالون باريس العام 1863 واهّلت الفنان لنيل الميدالية الذهبية.
في ذلك الوقت، لم يكن الجمهور الفرنسي قد صحا بعد من الصدمة التي سبّبتها لوحة اوليمبيا لمانيه، بنظراتها الجريئة وجسدها المكشوف.
لكن رغم ذلك، فقد اعتُبرت فينوس كابانيل مثالا للايروتيكية المقبولة. فهي، مقارنةً بلوحة مانيه، مثالية إلى حدّ ما وخالية من العيوب ومن شعر الجسد، كما أنها تبدو لا مبالية جنسيا وبلا شخصية إلى حد كبير.
هذا القدر المحسوب من الحسّية التي ضمّنها كابانيل لوحته، وكذلك البعد التاريخي والأسطوري للقصّة، كانا عاملين اسهما في تقريب اللوحة من الطبقات الاجتماعية العليا.
ومن الواضح أن كابانيل التزم بالعناصر التفصيلية الرئيسية لفينوس كما وردت في الأسطورة، فالآلهة تبدو متمدّدة على موج البحر الذي ُيفترض أنها ولدت منه. وفوقها تحوم كوكبة من ملائكة الحب "كيوبيد". وهي تفصح عن سحرها ومفاتنها، ولكن حسب قواعد العرف الايروتيكي السائد حينئذ.
دخل كابانيل صالون باريس وعمره لا يتجاوز العشرين، وبعد سنتين فاز بالمركز الثاني في جائزة روما ومكّنه ذلك من اخذ دروس إضافية في الفن الكلاسيكي.
وعندما عرض لوحته، كان الفنان قد حظي بشهرة واسعة وحصد العديد من الجوائز.
لوحة مولد فينوس تشكل مثالا ِحرَفيا ورائعا لأسلوب عصر النهضة والقرن التاسع عشر.
وقد بادر نابليون الثالث فور عرض اللوحة إلى شرائها وضمّها إلى مجموعته الشخصية. وفي نفس تلك السنة ُعيّن كابانيل أستاذا في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، كما كلفه نابليون الثالث ولودفيغ الثاني ملك بافاريا برسم أعمال فنية لحسابهما.
رسم كابانيل مولد فينوس بعد عشر سنوات من إنجاز انغر للوحته المحظية الكبرى .
ورغم الاختلاف الواضح بين اللوحتين فإن العامل المشترك بينهما ربّما يكون تعمّد الفنانين إظهار الملامح الجمالية من خلال إطالة الأعضاء والعنق لابراز انسيابية الخطوط.
كان كابانيل خصما قويا للانطباعيين، وخاصة مانيه، وكان موقفه ذاك يتماهى مع موقف المؤسسة الأكاديمية التي كانت تعارض الاتجاهات التجديدية في الفن، رغم أن ذلك الموقف أدّى في النهاية إلى تقليص نفوذ المؤسسة وتهميش دورها.
أما الانطباعيون فكان كابانيل يمثل بالنسبة لهم رمزا للفن الأكاديمي الذي كانوا يحتقرونه ويتهمونه بالجمود والماضوية.
ورغم أن لكابانيل لوحات عديدة أخرى تعالج مفردات الحياة العامة والأحداث التاريخية، فإن الخبراء والنقاد ظلوا يتجاهلونها.
وإذا كان هناك اليوم من يتذكّر الكسندر كابانيل، فإن ذلك بسبب هذه اللوحة بالذات.

Alexandre Cabanel, Birth of Venus

الايروتيكية ونصوصية الجسد



إن مصطلح الايروتيكية (Eroticism ) من المصطلحات الحديثة التي دخلت ثقافتنا المعاصرة، لذلك فقد اعتراه الكثير من سوء الفهم، أو عدم الوعي للمفهوم الحقيقي للمصطلح، ، ظهرت الايروتيكية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع تصاعد حركات التحرر النسوية في الدول الغربية، وقد أطلقت عدة تسميات على هذا النوع من الكتابة انطلاقا من مواقف مساندة وأخرى معارضة كأدب المواخير..وغيرها. بيد إن الإشكال الحقيقي الذي يواجهه هذا النوع من الكتابة هو الخيط الرفيع الذي يفصله عن ما يعرف بالكتابة الإباحية (pornography )، التي تقوض النص من اجل النسق الذي يظهر الجسد كوجود سالب، مفرغ من علاماته وارتباطاته بفضائه أو الفضاء المجاور له، وقد وقفت الحركة النسوية الغربية موقفا معارضا من شكل الكتابة هذا، لأنه يظهر المرأة كوجود مستلب من قبل الهيمنة الذكورية التي تؤسلب مفردات جسدها وتحصرها بالرغبة الذكورية الشبقية، وإن كانت الكتابة الايروتيكية تختص بالكتابة عن الجنس، إلا إنها تسعى إلى رفض النظرة الدونية الجنسية التي كانت تشيعها الثقافة الذكورية الرسمية، أو البطريركية الذكورية، لذلك كانت سلاح بيد المرأة لمحاربة التسلط النصوصي ألذكوري، وإعادة الاعتبار لها كمشارك في الرغبة الجنسية واللذة والفعل الذي يؤسس الخطاب الأيروتيكي. وهذا لا يعني بأن هذه الكتابة مختصة بجنس النساء فقط، وإنما هناك أيضا ذكور يمارسون الكتابة الايروتيكية، بيد إن اهتمامنا هنا سينصب على قدرة المرأة على تمثل جسدها، واكتشاف نصوصيته، والتي طمست تحت أحجبة نصوصية متزمتة، ومدى فشل الكتابة النسوية العربية على تبني هذا المفهوم الكتابي بصورته الحقيقية.
تعرف الكتابة الايروتيكية بأنها كتابة جسد، وذلك لان الحركات النسوية استخدمت الجسد كسلاح لمحاربة كل أنواع السلطة أو التسلط الذي مورس ضدها، أو بتعبير (فوكو) إن "الجسد هو أول موضوع تمارس عليه السلطة فعلها، والحقيقة إن السلطة تخلق الفرد ابتداء من جسده"، لذلك كانت توجهاتها منصبة على فضح وتعرية سلطة النسق (التابو) وسجنه، الذي حكم على الجسد طويلا بالإلغاء والتكفير، مما حرض المرأة على أن تتجه إلى اكتشاف جسدها وكسر القيود التي تكبله، وإعادة تمثله نصوصيا، إذ إن السلطة التي مورست تجاه الجسد هي نفسها التي مورست تجاه النص، وهي نتيجة خطأ نسقي تبنته ودافعت عنه منظومة سردية تاريخية، خاضعة للتركيبة المؤسساتية للثقافة الذكورية المهيمنة، دون النظر إلى الخلل البنيوي الذي يعتري تلك الثقافة، وهي ثقافة منحازة تمارس تعسفا ايدولوجيا، قائما على مايسميه الرويلي واليازعي في كتابهما (الجبرية البايلوجية).
لمعرفة كيف يصبح النص ايروتيكيا يجب أن نعرف أولا العلاقة بين الجسد والنص، والعلاقة الدقيقة التي تجمعهما، إذ إن الجسد كواجهة نصوصية يعكس مجموعة من العلامات والدوال، وهو " شبيه بالوحدات المعجمية لايملك معنى، انه يعيش على وقع الاستعمالات" حسب تعبير سعيد بنكراد، ومن خلال هذه الاستعمالات ينتج نصه، ويمر من خلال فعل القراءة الذي يحررها من المخيال السردي الذي يربطها بشكل تعسفي بالإباحية، المقيدة بالقراءة الأحادية النسقية، عكس الايروتيكية التي تخرج إلى فضاء متحرر يعيد إنتاج دلالاتها، ويربطها بجذرها الكوني وتجلياته، من خلال فعل الرغبة المنعكسة على النص والجسد الذي هو "الوجود الرمزي للرغبة" حسب تعبير بنكراد.
إن الكتابة النسوية العربية والعراقية ورغم الكثير مما كتب، من قبل كاتبات ينتمين إلى مجتمعات ذكورية متشددة كما في السعودية كرجاء الصانع وغيرها، أو التجارب القليلة للكاتبات العراقيات وفي مقدمتهن الروائية عالية ممدوح في رواياتها ( التشهي ، الغلامة...وغيرها). إلا أن مجمل هذه الكتابات لم تستطع أن تكسر الحاجز ألنسقي، الذي سجنت ورائه المرأة وجسدها لقرون عدة، إذ إنها تمثلت موقف المعارض المناقض لأطروحات الأخر الذكورية من دون تفعيل النص الجسدي، وبناء علاماته لتكون واجهة أشارية لمركزية الجسد، وفاعليته النصوصية في توليد الدلالات وبناء فضاء موازي يظهر الهوية الجسدية، ويربطه بصيرورة بناء الشخصية النسوية، إذ إن بعض الكتابات انجرفت إلى طوباوية الجسد، الذي يخرجها من سياقها التاريخي والحضاري..بسبب التمثل الأعمى للأطروحات الغربية لحركات التحرر النسوية، وعدم الاستفادة منها في قراءة الحركية التاريخية، ومبدأ المساواة، كصيرورة تاريخية حتمية، لان المجتمعات النسوية العربية لازالت تعاني من الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، التي تقطع الطريق أمام أي تطور تاريخي سليم لتلك المجتمعات التي بنيت تاريخيا وثقافيا وحضاريا على نسقية ذكورية، مستمدة لسلطتها من نصوص و مخيال وأيدلوجيا..إن الدعوة ألان إلى الكتاب العراقيين لتفكيك المنظومة الثقافية والسردية، واكتشاف نصوصية الجسد ومرتكزاته العلامية والاشارية وربطها بالسياق الثقافي العام، دون ممارسة أي سلطة قمع أو إلغاء، وكشف المسكوت عنه في الخطاب ألذكوري السائد، ومحاولة مراجعة أهم مرتكزاته وتحليلها، وإعادة الاعتبار للجسد الأنثوي الذي حجر وقمع تحت عدة مسميات وخطابات وانساق، لرفع شأن المرأة في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإعادة تصورها كشريك حقيقي في صنع الحياة، لها ولجسدها كامل الحقوق والأهلية

تَعلّم كيف تقرأ لوحة إيروتيكية



تَعلّم كيف تقرأ لوحة إيروتيكية: العري لم يعد كما كان!

عبدالاله مجيد
يستطلع الباحث المختص بتاريخ الفن فلافيو فبرارو في كتابه "كيف نقرأ الفن الايروتيكي" تاريخ هذا الفن القديم مشفوعا بحشد من اللوحات والرسوم والنقوش والمنحوتات وأعمال ايروتيكية من سائر انحاء العالم، عبر التاريخ البشري بكل مراحله. ويضم الكتاب لوحات فنانين مثل دافنشي وبوتيتشلي ورفائيل ومايكل انجلو وبيرو ديلا فرانسيسكا وبيكاسو وتيتيان وكيث هيرنغ وعشرات آخرين مع أعمال ايروتيكية من الصين واليابان والهند والشرق الأوسط. ويقول الكاتب ان الايروتيكية موضوعة عامة افتتن بها البشر منذ الزمن الغابر ولكن العري في الفن شهد تحولات في المراحل المختلفة من تطور الحضارة. فان عاريات ايغون شيلي يختلفن اختلافا كبيرا عن عاريات روما القديمة.
وينطوي الفن الايروتيكي على معان متعددة الأشكال. فهو يكشف الكثير عن حضارة عصره وثقافته وسايكولوجيته. وقد يكون جميلا أو عدوانيا أو مهدِّئا أو طيبا أو جامحا أو مجنونا. ويضم الكتاب هذه الأنواع كلها بين دفتيه بألوان غنية وتفاصيل مثيرة ونصوص تقدم اضاءات تدل الى طريقة جديدة في قراءة الأعمال المختلفة. انه كتاب يهتك استار الفن الايروتيكي. وتشهد الايروتيكية منذ سنوات انتعاشا لم يُعهد له نظير. ففي منتصف عام 2006 أُنشئ المتحف البريطاني للفن الايروتيكي صالونا فنيا على الانترنت. وقال مؤسسو المتحف انه يهدف الى تقديم توليفة جذابة من الأعمال الايروتيكية المعاصرة والكلاسيكية والقديمة مع التشديد على الفن الحديث. ويستضيف المتحف بانتظام معارض فنية على الانترنت لأعمال أشهر الفنانين الايروتيكيين فضلا عن المواهب الفنية الصاعدة.
وفي مجال الرواية تربعت ثلاثية "50 درجة من الرمادي" الايروتيكية للكاتبة الاميركية إي ال جيمس على عرش الكتب الأكثر مبيعا طيلة اسابيع قبل ان تنحيها رواية ايروتيكية اخرى حطمت جميع الأرقام القياسية. إذ زادت مبيعات الكاتبة الأميركية - اليابانية سيلفيا داي من روايتها "منعكسة فيك" على 80 الف نسخة من الغلاف الورقي في غضون ستة ايام فقط في بريطانيا محطمة الرقم الذي سجلته ثلاثية جيمس في الأسبوع الأول من نشرها.
وفي السينما تتوالى العقود لتمثيل روايات ايروتيكية على الشاشة الفضية. وكان احدثها شراء حقوق الرواية الايروتيكية التي تستوحي سلسلة "الغسق" على خطى رواية "50 درجة من الرمادي" قبلها. وقالت صحيفة هوليود ريبورتر ان شركة كونستانتين فيلم والمنتج جريمي بولت تعاقدا على شراء الحقوق السينمائية لرواية "الوغد الجميل" وان قيمة العقد بلغت 500 الف دولار. وتدور احداث الرواية حول طالبة الدراسات العليا كلوي ميلز وعلاقاتها المعقدة لكنها مشبوبة بالعاطفة مع استاذها بنيت راين. وكانت الرواية نُشرت في البداية على الانترنت حيث جرى تفريغها أكثر من مليوني مرة قبل ان تقرر الكاتبة كريستينا هوبز سحبها وتطويرها الى رواية أطول ثم اصدارها في طبعة ورقية. واعرب فيليب ستون محرر الجداول البيانية لمبيعات الكتب وايراداتها في شركة بوك سيلر عن اعتقاده بأن هذا الرواج يؤكد "ان الايروتيكا ظاهرة مقيمة وليست عابرة".

عندما تصبح الدعارة الهام ... نساء تكتب الشعر و تمتهن الدعارة


أن تكتب امرأة شعرا هذا شيء عادي في نظر جميع الأمم، أما أن تكتب الشعر وتمتهن الدعارة دون أي عقدة، فهذا موضوع نقاش. لكن في أوروبا، بالأخص في فرنسا، بلد إعلان حقوق الإنسان،، هناك عشرات من النساء يمارسن كتابة الشعر والدعارة في آن. من هنا، جاءت فكرة تسليط الضوء على هذه المهنة المزدوجة. وصدف لي أني أعرف شاعرة واحدة فقط من بين اللواتي يمارسن الدعارة إما من اجل لقمة العيش أو من أجل تحقيق رغبة مقنعة... وبعد محاولات إقناع عديدة، وافقت التي اعرفها على إجراء لقاء شرط أن ننشر أجوبتها الصريحة دون رقابة. ونأمل من القراء فهم عملنا هذا ليس الاستفزاز، وإنما هو إعطاء فرصة للآخر، خصوصا الآخر الأنثوي الغربي ان يُسمع بحرية..

جولي ليبرينو امرأة في الثلاثين.. جميلة، وكثيرة الابتسام، لكن لها نظرة فيها حدة شبقية "تثير أحيانا من ينام معها"، كما قالت لي مستغربة، "يبدو ان هناك رجالا يأتي ظهرهم سريعا عندما تعرف المرأة كيف تشعرهم بأنهم تحت  سيطرتها". تعرفت إليها قبل خمس سنوات. التقيها من وقت إلى آخر في مقهى متخصص ببيع البيرة البلجيكية قرب سينما كليشي، أحيانا ادعوها إلى كأس بيرة لقاء ثرثرة في أمور النكاح والشعر وعلاقة المهنتين، فجولي تعتبر الشعر أيضا نوعا من المهنة. تعيش قريبا من منطقة بلانش الواقعة بين بيغال وجسر مونمارتر. لكن مكان عملها (إغراء مار للذة عابرة) يقع في "ساحة بودابست" (أول شارع امستردام) حيث تأتي اعتبارا من الساعة الحادية عشرة صباحا... ولها حدس بأن هذا المار يهوى قضاء وقت معها لقاء مبلغ يتراوح ما بين الثلاثين يورو والمئة حسب الرغبة المطلوب تحقيقها، فتغمز له وهي تقترب منه ويبدأ حديث روتيني بينهما: "مرحبا، كيف الحال.. كم.. لا كثير.. أوكي.. اتفقنا". وهكذا تأخذ الرجل الى فندق (لايحق لي ذكر اسمه وموقعه) يدفع الرجل مبلغ الغرفة التي ستختلي جولي به ساعة أو ساعتين أو أكثر حسب الاتفاق بينهما.

يصل احيانا أن تقضي جولي حاجة عشرة رجال أو أكثر في اليوم الواحد.. وأحيانا لا تجد سوى رجلين أو ثلاثة رجال. فالأمر يعتمد على الطقس، كلما كان معتدلا أفضل، إذ يسهل على جولي أن تكشف عن بعض أماكن جسدها لتثير إغراء مار ما... لكن حتى البرد له مميزاته، في نظر جولي. فبحجة ان الطقس بارد تلتصق بالرجل ومن خلال معطفها تلامس قضيب الرجل مثيرة فيه رغبة المضاجعة وهي تتفق معه على السعر.

وافقت جولي على إجراء حوار

بادرتها بسؤال كان يلح علي:

* كيف آلت بك الأمور إلى هذه الحال؟
- كنت في السابعة عشرة عندما قرأت "أزهار الشر" لبودلير.. فشعرت برعشة غريبة في جسدي، وتبعها بلل بين فخذي... وبدأت أشعر برغبات متوالية في الاستمناء.... وبعد أيام تعرفت إلى شاب قوي كان يأخذني إلى غرفته ويمارس الجنس معي كثيرا... إلى حد اضطررت معه إلى إعادة قراءة بودلير ليزيدني رغبة في النكاح.... أثناء هذه الممارسات كنت أكتب قصائد صغيرة تدور حول متعة الحياة والجنس... صديقي الشاب الذي علمني كل الطرق لإثارته وفي الحقيقة كان خبيرا، تركته بعد تجربة عامين، إذ اكتشفت انه مازوشي النزعة، كان يشعر بلذة إذا نظرت اليه نظرة متعالية وأنا أركبه، أو اصفعه أثناء المضاجعة. ويجب أن تعرف بأن المرأة تحاول الانتفاع من سلطتها، أي لاتجد فعلا لذة كبيرة بقدر ما تجعل نقطة الضعف هذه في رجل ما وسيلة للوصول الى شيء آخر لا علاقة له باللذة السادية. بينما يفاخر الرجل بتسلطه على المرأة دون ان يدري انه هو الضحية.. فوجود المرأة تقوم على ذكوريته، وما إن يفقدها تشعر المرأة بانتفائها، من هنا هي دائمة البحث عن ذكورية أكبر وأكبر الى ما لانهاية. المرأة أعماق، كل شيء يجري في جوفها، بينما الرجل خارجي سطحي، فبالنسبة اليه كل شيء عملية قذف الى الخارج، بينما المرأة كل شيء يمضي في اعماقها.

المهم شعرت فيما بعد بأن اللذة التي علمني عليها هذا الشاب باتت أشبه بمهنة علي أن أقوم بها له.. وبعد أن تركته نهائيا... خطرت لي فكرة أن استفيد ماليا من تجربتي الجنسية، وخصوصا كنت شابة لم تبلغ العشرين بعد. اختليت بنفسي عدة أشهر، اقرأ فيها الكتب التي تروي قصصا عن شذوذ الرجال، وأيضا كتب الشعر الجنسية، اكتشفت شعراء كثيرين وخصوصا شاعر الوثنية المثيرة للحواس بيير لويس الذي وصف فرج المرأة بأجمل العبارات، كهذا البيت: "ما من شَعرة في عانتها لا يبعث على الانعاظ" فمزقت كل ما كتبته من قصائد، وقررت أن أخوض مغامرة حياتية جديدة وهي أن أكتب قصيدة بعد كل مضاجعة، وحتى لا تكون قصائدي مكررة، قررت أن يكون الأشخاص أيضا غير مكررين، وهكذا وجدتني في سوق اللذة كأي بضاعة أدفع رسوما إلى مؤسسة مسؤولة عن بغايا، توفر لنا الغرف في فنادق معينة، حسب منطقة كل واحدة، لتحقيق لذة رجل. ومثلما أبيع جسدي، أبيع قصائدي على أوراق مطبوعة في معارض الكتب، أو المهرجانات أو احيانا في المترو. وقصائدي دائما قصيرة قصر الرعشة الجنسية التي نشعر بها.

* أحقا تعتقدين أن الشعر مهنة أيضا كباقي المهن؟
- نعم. بمجرد أن تطبع مشاعرك قصيدة على ورق معروض للبيع، اعرف أنك تبيع مشاعرك مثلما تبيع امرأة جسدها لقاء مكافأة. فقط الشاعر الذي يكتب في دفاتر خاصة به ولا يريها الى أحد، يكون الشعر بالنسبة إليه ليس مهنة. لكن هذا النوع من الكتابة ليس له سوى مفعول لذة أنانية وبهذا يصبح فعل استمناء.. وعليك أن تعرف أن أغلب الشعراء الرجال استمنائيون، فهم يكتبون أشعارهم إما قبل أو بعد استمناء ما... وليس كل استمناء يتم باليد، هناك استمناءات عبر النظر، الكتابة...الخ

- كيف تأتيك القصيدة؟
- أحيانا تجيء فكرة قصيدة في رأسي وأنا أنظر إلى الزبون وهو يروح ويجيء... اشعر احيانا بعطف عليه فتأتي القصيدة رومنسية بكائية، واحيانا أشعر بأنه مختلف وله ذكر ممتع، فتأتي القصيدة ايروسية مغرية... لكن تمر أحيانا عدة أسابيع ولا اكتب فيها قصيدة واحدة، وهذا يعني اني بعت جسدي لرجال جوف تفّه.

* هل في نظرك، كتابة الشعر له علاقة بالحرمان الجنسي، او أقصد بمكبوت جنسي يعانيه الشاعر او الشاعرة؟
- كلا... لكن، إذا كنت تقصد ان كتابة الشعر عملية استمنائية يقوم بها أناس ليست لهم لا القدرة ولا الفرصة لقضاء متعة جنسية مع امرأة أو مع رجل، فأقول لك نعم. وصحيح إذا كنت تقصد كتابة الشعر كتعويض جنسي. خصوصا في مجتمعات لا توجد فيه الحرية التي نتمتع نحن بها في أوروبا. انا استطيع بسهولة ان احقق رغباتي الجنسية وفي الوقت ذاته اقبض عليها مكافأة. إذن،عندما اكتب الشعر ليس تعويضا استمنائيا بقدر ما هو بحث عن عالم مجهول لذة غير معهودة، تأمل مع النفس: الشعر ولوج في الأعماق. والولوج عملية لايمكن لشخص يعاني حرمانا القيام بها.. وإنما الشخص المشبع والمكتفي ويريد المزيد، يريد سبر تجارب أعمق. لكن عندك حق في مجتمعاتكم...

- (قاطعتها) المتخلفة..
- نعم، كما تسمى عندنا على كل حال، أعتقد أن المرأة تكتب شعرا كتعويض عن جنسيتها المقموعة، وبالتالي حتى التعبير كتابيا يأتي مقموعا، مشوها...

* لعلمك في كراس من الكراريس التي كنت اطبعها على حسابي في باريس منتصف السبعينات، ضم قصائد لعدة شعراء عنونته: "القصيدة تحقيق مقنّع لرغبات مقموعة"، ما رأيك
- طبعا كالحلم... إذا اتفقنا مع العجوز فرويد.

- هل انت مؤمنة بدين ما؟
مولودة في عائلة مسيحية، لكنني لا أومن بأي دين... أجد فرحة اني أعيش في مجتمع عَـلماني.. يعطيني الحق أن آكل من الفاكهة المحرمة وأتلذذ بالخطايا السبع.

- لو طلبت منك شاعرة عربية تدعي الحداثة، نصيحةً، ماذا ستكون نصيحتك؟
-اولا مهما كنا بارعين في الانشاء وكتابة قصص مختلقة، هناك دائما شيء حقيقي منا يسري في كتاباتنا. لا اعرف كيف يمكن لإمرأة ان تكتب شعرا حديثا وهي غير قادرة على ان تكون حرة خصوصا في رغباتها الجنسية (والمرأة لا ترغب الا جنسيا، ولاحظ هذا عندما تمسك امرأة كأسا، وعندما تمص البوظة). كيف يمكن لكاتبة أن تكتب / تسبر غور جسدها وهو محجوب بالسواد أمام أعين الآخرين؟ جمال المرأة يكمن في النظرات التي تترصدها! نصيحتي إذا كنت غير قادرة على تحقيق رغبة عابرة وطبيعية، فانك غير قادرة مطلقا على كتابة شيء ذي قيمة. ليكن 40 بالمئة على الأقل مما تدعيه بالتحرر في كتاباتك، مطبقا فعلا في حياتك... وإلا اتركي القلم والورقة ومن الأفضل ان تتابعي الاستمناء الطبيعي أي ليس الاستمناء المجازي.

ونحن نتمشى قرب تمثال الساعات في محطة سان لازار، نظرت الى الساعة الكبيرة في أعلى المحطة، كانت الساعة الثانية بعد الظهر. الشمس مشرقة، شحاذون موزعون هنا وهناك، ازدحام سيارات. تذكرت أن لي موعدا مع الشاعر الأميركي جيروم روثنبرغ وزجته ليعطيني نسخة من كتابه "تقنيو المقدس" الذي ظهرت ترجمته الفرنسية. شعرت انها تتبادل نظرات مع رجل كان واقفا على بعد خمسة أمتار.. قلت لها: "قبل أن اتركك لدي سؤال واحد: من هو أفضل شاعر في نظرك؟"
- بودلير. إذ حتى في قصائده الرجولية المعادية للمرأة، يمكنك أن تشم رائحة المرأة، جواربها، جسدها، عطرها... بودلير هو الشاعر الوحيد الذي يكاد يكون حبره سائلا منويا يخصب الدماغ.

- وما رأيك ببروتون؟
أحب شعره وكتاباته... لكن المشكلة معه أن مشاعره الايروسية غالبا ما تتلاشى وراء انهماكه بالقضايا السياسية، والالتزام الخلقي. المهم انا أحب الشعر السوريالي كثيرا، لأنه يفتح نافذة على الأشياء الصميمية.

قالت جملتها الأخيرة وهي تكاد تصل الرجل الواقف، قلت لها بصوت عال: آمل أن تكتبي قصيدة جميلة هذا الفجر....

أجابت: أعتقد... أشم فيه سلفا الرائحة المطلوبة

أعزائي شرفاء اليوم// روعة كلسين


 
 أعزائي شرفاء اليوم

نعم أنا عاهرة.. عاهرة الكونغو الديمقراطية.. اغتصبت ما لا يقل عن الستين مرة، غالباً أثناء رحلاتي اليومية لجلب الطعام والماء، مرّة في تصفية للحسابات بين قبائل، و مرة كي تدفعون بعائلتي للرحيل كي تسيطروا وحدكم على الثروات التي اكتشفت في بلدتي، ومرة بدون سبب واضح، فقط للمزاج.. نعم أنا العاهرة، أمي أيضاً عاهرة مثلي، هي ايضاً اغتصبتموها على الرغم من كبر سنها.. ابنتي البالغة من العمر سبع سنوات أصبحت هي ايضاً عاهرة، بعد أن اغتصبتموها بالسكين.. زوجي رفض أن يعلن الحداد على طفلته العاهرة، عوضاً عن ذلك، طلّقني وهجر العائلة بأكملها، فهو لا يشرّفه أن يرتبط شرفه بعاهرات.. فسارعتم أنتم أيضاً لتصفوني بالعاهرة، وتتهموني بالبحث عن الاغتصاب، في حين تجبرون نساءكم مثلي على الخروج هن لتأمين لقمة العيش.. نعم نحن العاهرات، وأنتم الشرفاء..

 

أعزائي شرفاء اليوم،

نعم أنا عاهرة.. عاهرة دوار اللؤلؤة في البحرين.. نزلت لأطالب بالعدالة الاجتماعية ونصبت خيمتي ظناً مني أن وجود أنثى سيصحّي فيكم الشهامة العربية ويمنعكم من التهجم على أبنائي واشقائي، فاتهمتوني بأنني عاهرة فارسية أفتح خيمي بيوت دعارة.. نسبتم مطالبي إلى أجندات أجنبية وحوّلتم القضية إلى تحريض طائفي وأطحتم بشرفي كما أطحتم بدوار اللؤلؤة.. نعم أنا العاهرة التي طالبت بمساعدات سكنية كالتي تقدّم إلى مقرّبي الحكم.. أنا العاهرة التي تأملت بوظيفة كتلك التي تغدقون بها على المغتربين.. نعم أنا العاهرة التي أرادت تمثيلاً سياسياً عادلاً..


أعزائي شرفاء اليوم،

نعم، أنا عاهرة.. عاهرة ميدان التحرير.. أثرت حفيظتكم لبحثي عن استقرار البلاد عوضاً عن البحث عن زوج أستقر معه.. بحث عن سقف الثورة يحمي كافة الشعب عوضاً عن البحث عن رجل يأويني، وكأنني بدون مأوى.. اعتصمت ونصبت خيمي لأبحث عن العدالة الاجتماعية ولأحارب الفساد، فاتهمتوني بنزولي إلى الميدان لأبحث عن رجل وأحارب العنوسة.. قلت لا أريد رجلاً قبل أن أحظى بوطن، ففحصتم عذريتي، إذ لا يمكن لعذراء أن تفكر بأبعد من البحث عن ليلة الدخلة.. نعم أنا تلك العاهرة التي أرادت أن تحرركم من ذلك الغشاء الذي يعميكم، فسارعتم لتعريتي في الشارع انتقاماً من صوتي وأفكاري.


أعزائي شرفاء اليوم،

نعم، أنا عاهرة.. عاهرة المدونات.. كتبت بقلم فتاة تكتشف القضايا والأحلام، فاعتقلت قبل أن يتجاوز عمري تسعة عشر عاماً.. أعلنت إضرابي عن الطعام بعد قضاء سنتين في السجن، فسارعتم إلى مواقع الانترنت لتتمنوا لي الموت، ولتصفوني بالعاهرة العميلة.. عميلة لأنني كتبت عن القضية الفلسطينية والعروبة فاعتقلت.. اعتقلت لأنني مسست بكرامة الدولة وشخص الجمهورية عندما أعلنت بوقاحة العاهرة أنني "أريد أن أستلم السلطة ياسيدي ولو ليوم واحد من أجل أن أقيم "جمهورية الاحساس"".. يا لعهري! كيف لعاهرة أن تتجرأ على مخاطبة الرئيس.. وكيف لعاهرة أن تطالب بالرئاسة.. وكيف لعاهرة أن تطمح بإقامة جمهورية.. جمهورية الاحساس.. فالأحاسيس على ما يبدو لعنة العاهرات.. نعم أنا طل الملوحي، العاهرة التي لا تزال تقبع في السجن لأنها أطلقت العهر لقلمها..


ملحوظة: هذه رسالة إلى مجتمعات تقيس شرفها بين فخذي المرأة ثم تستسهل رشق نسوتها بوصمة عار..
جسد الإنسان يجب معرفة طقوسه
وفلسفته أرضه وكواليسه وأسراره
الجسد هو الحياة نفسها، بكل تجلياتها
الجسد هو المسافة الفاصلة بين الحياة و الموت